العيني
201
عمدة القاري
بدراً لانتفاء النفاق عمن شهد بدراً ، وأما قوله : من الأنصار ، فيحمل على المعنى اللغوي ، يعني : ممن كان ينصر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لا بمعنى أنه كان من الأنصار المشهورين ، وقد أجاب التوربشتي عن هذا بقوله : قد اجترأ جمع بنسبة هذا الرجل إلى النفاق وهو باطل ، إذ كونه أنصارياً وصف مدح ، والسلف احترزوا أن يطلقوا على من اتهم بالنفاق الأنصاري ، فالأولى أن يقال : هذا قول أزله الشيطان فيه عند الغضب ، ولا يستبدع من البشر الابتلاء بأمثال ذلك . قلت : هذا اعتراف منه أن الذي خاصم الزبير هو حاطب ، ولكنه أبطل اتصافه بالنفاق ، واعتراف منه أنه أنصاري ، وليس بأنصاري إلاَّ إذا حملنا ذلك على المعنى الذي ذكرناه آنفا . وقد سماه الواحدي في ( أسباب النزول ) وقال : إنه حاطب بن أبي بلتعة ، وكذا سماه محمد بن الحسن النقاش ومكي والمهدوي ، ورد عليهم بأن حاطباً مهاجري وليس من الأنصار ، ولكن يحسن حمله على المعنى الذي ذكرناه ، وقال الواحدي : وقيل : إنه ثعلبة بن حاطب ، وقال ابن بشكوال في ( المبهمات ) ؛ وقال شيخنا أبو الحسن مغيث مراراً : إنه ثابت بن قيس بن شماس ، قال : ولم يأت على ذلك بشاهد ذكره . وذكر أبو بكر بن المقري في ( معجمه ) من رواية الزهري عن عروة : أن حميداً رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة . . . الحديث . قال أبو موسى المديني : هذا حديث صحيح له طرق ولا أعلم في شيء منها ذكر حميد إلاَّ في هذه الطريق . وقال : حميد ، بضم الحاء وفي آخره دال مهملة . قلت : روى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب ، سمعته من الزهري : * ( فلا وربك لا يؤمنون ) * ( النساء : 56 ) . الآية ، قال : نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء . . . الحديث ، فهذا إسناده قوي ، وإن كان مرسلاً ، وإن كان ابن المسيب سمعه من الزبير يكون موصولاً فهذا يقوي قول من قال : إن الذي خاصم الزبير حاطب بن أبي بلتعة ، وهو بدري وليس من الأنصار . وقال النووي : قال العلماء : لو صدر مثل هذا الكلام اليوم من إنسان جرت على قائله أحكام المرتدين فيجب قتله بشرطه ، قالوا : وأما ترك النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس ويدفع بالتي هي أحسن ويصبر على أذى المنافقين الذين في قلوبهم مرض . وقال الثعلبي : فلما خرجا يعني : الزبير وحاطباً مرا على المقداد ، فقال : لمن كان القضاء يا أبا بلتعة ؟ فقال : قضى لابن عمته ، ولوى شدقه ، فطن له يهودي كان مع المقداد فقال : قاتل الله هؤلاء ، يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم ، وأيم الله ! لقد أذنبنا مرة في حياة موسى ، عليه الصلاة والسلام ، فدعانا موسى إلى التوبة منه ، فقال : اقتلوا أنفسكم ، فقتلنا ، فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في ربنا حتى رضي عنا . قلت : هذا موضع تأمل . قوله : ( في شراج الحرة ) ، الشراج ، بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء وفي آخره جيم ، قيل : هو واحد ، وقيل : هو جمع شرج ، مثل : رهن ورهان وبحر وبحار . وفي ( المنتهى ) لأبي المعاني : الشرج مسيل الماء من الحزن إلى السهل ، والجمع شراج وشروج وشرج ، وقيل : الشرج جمع شراج والشراج جمع شرج . وفي ( المحكم ) : ويجمع على أشراج ، وفي رواية للبخاري : شريج الحرة ، وإنما أضيف إلى الحرة لكونها فيها . وقال الداودي : الشراج نهر عند الحرة بالمدينة ، وهذا غريب وليس بالمدينة نهر ، والحرة ، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء : من الأرض الصلبة الغليظة التي أفنيتها كلها حجارة سود نخرة ، كأنها مطرت ، والجمع : حرات وحرار ، وفي ( مثلث ) ابن سيده : ويجمع أيضاً على حرون ، وبالمدينة حرتان : حرة وأقم وحرة لبلى ، زاد ابن عديس في ( المثنى والمثلث ) : وحرة الحوض من المدينة والعقيق ، وحرة قبا في قبلة المدينة ، وزاد ياقوت : وحرة الوبرة بالتحريك ، وأوله واو بعدها باء موحدة ، على أميال من المدينة ، وحرة النار قرب المدينة . قوله : ( التي يسقون بها ) ، وفي رواية شعيب : كانا يسقيان به كلاهما . قوله : ( سرح الماء ) ، أمر من التسريح : أي : أرسله وسيِّبه ، ومنه : سرحوا الماء في الخندق . قوله : ( يمر ) ، جملة وقعت حالاً من الماء ، وقال بعضهم : وضبط الكرماني : فأمره ، بكسر الميم وتشديد الراء على أنه فعل أمر من الإمرار . قال : وهو محتمل . قلت : لم أرَ ذلك في شرح الكرماني ، فإن كانت النسخ مختلفة فلا يبعد . قوله : ( فأبى عليه ) ، أي : امتنع الزبير على الذي خاصمه من إرسال الماء ، وإنما قال الأنصاري ذلك لأن الماء كان يمر بأرض الزبير قبل أرض الأنصاري فحبسه لإكمال سقي أرضه ، ثم يرسله إلى أرض جاره ، فالتمس منه الأنصاري تعجيل ذلك فأبى عليه . قوله : ( إسق يا زبير ) ، بكسر الهمزة : من سقى يسقي ، من باب ضرب يضرب ، وحكى ابن التين بفتح الهمزة